الشيخ عبد الله البحراني
7
العوالم ، الإمام محمد الباقر ( ع )
مسدّد نهل علمه من أصفى المنابع وأعذبها ، وتربّى في أحضان الشرف والفضيلة ؛ فكان ذلك إمامنا « الباقر » عليه السلام ، الّذي كان طودا شامخا من العلم حال دون وصول البدع والسخافات إلى جوهر العقيدة الإسلاميّة ، وبحرا زاخرا من عظيم الأخلاق والمكارم ، غذّى روّاد الحقيقة ورجال الفكر ، وقد كان في طليعة اهتماماته حرصه على نشر الشريعة الإسلاميّة ، وأحكام الدين ، وأصول الفقه الحقّ الحامل لروح الإسلام ، والمتفاعل مع كافّة جوانب الحياة ؛ فأسّس بذلك مدرسته الكبرى والخالدة الّتي أنجبت فطاحل الفقهاء وكبار المحدّثين ، ممّن أجمع القاصي والداني على الإقرار بفضلهم ، وما أبان بن تغلب ومحمّد بن مسلم ، وزرارة بن أعين إلّا أنموذجا من ذلك . وهنا لا بدّ من ذكر حقيقة ما زال التأريخ والعلم يذكرها بألم وأسف شديدين وهي منع تدوين الحديث - ممّا كان له الأثر الكبير في تحجيم الاستفادة من الأحاديث النبويّة الشريفة ، خصوصا ما أكّد منها على كرامة وحقّ أهل البيت عليهم السلام - وذلك من يوم قال رسول اللّه - قبيل وفاته - صلّى اللّه عليه وآله : « ائتوني بدواة وكتف أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده » . فقالوا : إنّ رسول اللّه يهجر . . . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : قوموا ! « 1 » فكان ابن عباس بعد ذلك يقول : إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب . حقّا لقد كانت رزيّة كبرى ، ومحاولة فاشلة أرادوا منها حجب شعاع الحقّ بغربال الضلال ، وطمس نور الفضيلة بظلام الحسد ، وحجّتهم : « حسبنا كتاب اللّه » ! « 2 » وكأنّ العصبيّة والجهالة أعمت قلوبهم ، فأنستهم قوله تعالى : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا « 3 » ؛ وقول خاتم رسله وأنبيائه صلّى اللّه عليه وآله :
--> ( 1 ) - هذا حديث مشهور رواه مسلم في صحيحه : 3 / 1259 ح 20 ، والبخاري في صحيحه : 2 / 85 وج 6 / 11 ، وأحمد في مسنده : 1 / 222 ، وكذا الطبري وابن بطة وغيرهم . ( 2 ) - راجع في ذلك مناقب آل أبي طالب : 1 / 235 . ( 3 ) - الحشر : 59 .